أتيحت لي منذ يومين الفرصة لزيارة معرض أكسبو موريتانيا 2026، وخرجت بانطباعات إيجابية عن حصول تقدم مهم في العمل على التحديات التي تواجهها صناعتنا الوطنية.
لقد تأكد أن المبادرة الخصوصية لدينا صارت تتسم بشجاعة أكبر لدخول مجالات جديدة، استنادا دائما إلى فكرة إحلال الواردات والتركيز على الصناعات الغذائية، مع حضور أكثر وضوحا في حسابات المصنعين الجدد لفكرة توسيع السوق المستهدفة تدريجيا من خلال العمل على التصدير.
وعلى سبيل المثال، رأيت كيف ثبتت أركان المحاولة الجديدة لإرساء صناعة محلية لتعليب الأسماك كالسردين ماركة Tekane، ولعمري إن صناعة كتلك تعتمد على مادة أولية متوفرة محليا، وعلى سوق محلي وإقليمي ودولي مستمر؛ لمن أهم ما يجب أن تركز عليه صناعتنا الوطنية.
ورأيت كيف أن صناعة الحليب طويل المدة UHT، عبر مثال ماركتي "لبنى" و"الربيع"، قد توطنت من خلال شركات وطنية ذات قاعدة صناعية وتسويقية جيدة، تنضاف إلى المشروع الحكومي في الشرق الموريتاني لتصنيع ماركات "انكادي" و"البهجة"، ويؤكد فاعلون ممن لقيتهم وجود مصانع أخرى قيد الإنشاء. فبدا لي أن الوقت قد اقترب لمزيد من حماية هذه السوق المحلية، ولعل أسرع ما يمكن القيام به هو منع دخول الحليب UHT الذي تتجاوز صلاحيته 6 أشهر. وسيكون في مقدور المستوردين التوجه تدريجيا إلى تصنيع ماركاتهم المعروفة في السوق محليا بالتعاقد مع مصانع UHT الوطنية.
ويبدو جليا أننا قد وصلنا قطعا إلى اكتفاء ذاتي في صناعة المعجنات كالمعكرونة والاسباكيتي والكسكس، بحيث صار التحدي هو تأمين زراعة المادة الأولية محليا وتوسيع السوق بالتصدير.
وقد نشأت صناعات صغيرة أخرى متعددة، تركز على إنتاج قيمة مضافة لمنتجات تقليدية عديدة.
كما أن صناعة المشروبات المعلبة وصلت إلى مستوى ينبغي أن يكون كافيا لتأمين حاجة السوق، خاصة مع بساطة مكونات العصائر التجارية: ماء ونكهات وإضافات أخرى.
ورأيت كيف نشأ توجه راسخ إلى توطين صناعة منتجات التنظيف والعناية: ماء جافيل، سوائل غسل الأواني والأرضيات والأسطح، والصابون السائل. وكذلك صناعة المناديل الورقة والحفاضات.
ورأيت كيف توطنت لدينا صناعات أنابيب توزيع المياه، وهي مهمة لخفض كلفة مشاريعنا العمومية، وللتصدير أيضا في أفق استغلال المواد المشتقة من الصناعة البترولية.
وقد نشأت صناعة لمدخلات عمل الورشات كالأنابيب والصفائح المعدنية.
وزادت صناعة الأعلاف بمصنعين جدد لأعلاف الدواجن وللأعلاف المركبة للتسمين وإنتاج الحليب.
ورأيت كيف نشأ إنتاج مهم من البلاتر موجه للتصدير لجوارنا الإقليمي الجنوبي.
ومن جهة أخرى بدا لي مبشرا مستوى التقدم الحاصل في الخدمات المساندة التي ظل نقصها يعوق الصناعة الوطنية، مثل : تكوين العمالة المدربة، وظهرت برامج تكوينية مهمة وجادة لفاعلين عموميين مثل معهد الهندسة الصناعية ولفاعلين خصوصيين مثل جامعة سيب مانجمنت.
وبدت مبشرة كذلك زيادة العرض وتنوعه على مستوى مزودي المصانع بالمكونات والخدمات الصناعية والفنية، وعلى مستوى توفر التصنيع المحلي لمواد التعليب (من الكرتون والألياف).
ولا شك أن القطاع الخاص ما زال بإمكانه الكثير من ترسيخ هذا التوجه الوطني، وهو ما وعد به، وبإمكانه على سبيل المثال توجيه الفائض من بعض المنتجات الزراعية كالبطيخ إلى صناعة عصائر طازجة من هذه المنتجات.
ثم تأتي الجهود الحكومية في مجال تحسين المناخ العام للصناعة، لتبشر بالتوازي مع ذلك بقرب حل مشكلة الطاقة الكهربائية، كما وسعرا، حيث أوضح معالي الوزير الأول أن إجمالي القدرات الإنتاجية المرتقبة سيتجاوز 500 ميغاوات، وهو ما يفوق حجم الإنتاج الحالي للطاقة في البلاد. يضاف إلى ذلك بدء الدراسات اللازمة لإقامة المنطقة الصناعية الجديدة في بلدية العرية قريبا من المدخل الجنوبي للعاصمة.
فبارك الله في كل تلك الجهود العمومية والخصوصية.
وزير التنمية الحيوانية السابق المختار ولد گاگيه
