رسائل الجزائر

رسائل الجزائر

بواسطة Ahmed

أَوَليس من مدعاةِ الدهشةِ والاستفهامِ أن تُحاطَ المكانةُ الاعتباريةُ لرئيسِ الجمهوريةِ بهالةٍ من الصمتِ أو التناسي، في حين أنها تمثّلُ في جوهرها ركيزةَ السيادةِ الوطنيةِ وعنوانَ الحضورِ في موازينِ القوى الإقليميةِ والدولية؟ أَوَلا يحقّ لنا أن نتساءل: كيف يُغفلُ بعضُ الخطابِ العامِّ تثمينَ هذا الرصيدِ الرمزيِّ والسياسيِّ، وهو الذي يُترجمُ إلى نفوذٍ، وإلى قدرةٍ على التأثيرِ في معادلاتِ الجوارِ وحساباتِ الدبلوماسيةِ الكونية؟

 

أليس رئيسُ الجمهوريةِ، في منطقِ الدولةِ العميق، أكثرَ من مجرّدِ موقعٍ دستوريٍّ، بل هو تجسيدٌ لإرادةِ الأمةِ، ولسانُ حالِها في المنتدياتِ الدولية، وحاملُ لواءِ توازناتها الدقيقة؟ وإذا كانت الجغرافيا السياسية لا ترحمُ المترددين، أفلا يكونُ من البديهيِّ أن يُقرأَ حضورهُ لدى الجيرانِ بوصفهِ امتدادًا لفاعليةِ الدولةِ، لا مجردَ طقسٍ بروتوكوليٍّ عابر؟

 

ثم، أليس من الإجحافِ السياسيِّ والإعلاميِّ أن يُطوى أو يُهمَّش الدورُ التنفيذيُّ الذي ينهضُ به الوزيرُ الأول المختارُ ولد اجاي، في لحظةٍ إقليميةٍ مُثقلةٍ بالتقلباتِ والرهانات؟ كيف يمكنُ أن تُختزلَ اتفاقياتٌ استراتيجيةٌ مع الجزائر، في ميادينَ متعددةٍ وعلى رأسِها قطاعُ الطاقة، في مجردِ أخبارٍ عابرة، وهي في حقيقتها لبناتٌ في صرحِ الأمنِ الطاقويِّ، وأدواتٌ لإعادةِ تموضعِ الدولةِ ضمن خرائطِ المصالحِ المتشابكة؟

 

أَوَليست هذه الاتفاقياتُ تعبيرًا عن عقلٍ تدبيريٍّ يستشرفُ مآلاتِ الأزماتِ العالمية، حيثُ أضحت الطاقةُ ورقةً جيوسياسيةً بامتياز، تتقاطعُ عندها رهاناتُ السيادةِ والاقتصادِ والتحالفات؟ وإذا كان العالمُ اليومَ يعادُ تشكيلُهُ على إيقاعِ الندرةِ والتنافسِ، أفلا يكونُ من الحكمةِ السياسيةِ أن يُثمَّنَ هذا الانخراطُ الواعيُ في شراكاتٍ إقليميةٍ متوازنة؟

 

فما الذي يجعلُ بعضَ القراءاتِ أسيرةَ السطحِ، عاجزةً عن الغوصِ في دلالاتِ الفعلِ السياسيِّ العميق؟ أهو اختلالٌ في الوعيِ السياسيِّ الجمعي، أم هيمنةُ خطابٍ يُجيدُ النقدَ ولا يُحسنُ الإنصاف؟ وأين يقفُ دورُ النخبِ في إعادةِ تأطيرِ هذا النقاش، بما يليقُ برهاناتِ الدولةِ وتحدياتِ المرحلة؟

 

أَلَا يستدعي المقامُ إعادةَ الاعتبارِ للخطابِ الذي يُنصفُ الفعلَ الدبلوماسيَّ، ويُعلي من شأنِ الحضورِ الرئاسيِّ، ويضعُ الأدوارَ الحكوميةَ، وفي مقدمتها دورُ الوزيرِ الأول، في سياقِها الاستراتيجيِّ الحقيقي؟ أم سنظلُّ نُراوحُ في دائرةِ التبخيسِ، بينما تُبنى في الخفاءِ معالمُ موقعٍ جديدٍ للدولةِ في خارطةِ النفوذِ الإقليميِّ والدولي؟

 

إنها ليست مجردَ أسئلةٍ بلاغية، بل مفاتيحُ وعيٍ سياسيٍّ أرحب، يُدركُ أن الدولَ لا تُقاسُ فقط بما تُعلنُهُ، بل بما تُحسنُ تدبيرَهُ في صمتٍ، وبما تُراكمُهُ من رصيدٍ في ميزانِ العلاقاتِ الدولية، حيثُ لا مكانَ إلا لمن يُتقنُ لعبةَ المصالحِ، ويُحسنُ قراءةَ تحول العالم.


الإعلامي والكاتب الصحفي سيدي ولد النمين