في ظل التغييرات الكبرى التي يعيشها العالم اليوم، تواجه الدول تحديات متزايدة في ترتيب أولوياتها، والحال ينطبق على وَحدات المجتمع الدولي بمختلف مستوياتها؛ دول عظمى، ودول إقليمية وصغرى، ومنظمات دولية، وشركات متعددة الجنسيات، وشخصيات مؤثرة.
في خضم هذا التغيير العالمي، يتأكد أننا في موريتانيا معنيون بتعزيز مقاربتنا الخاصة، وتحديثها، وتكييفها مع سياقنا الوطني، الإقليمي والدولي، بحيث نقلل من مخاطر التأثر المحتملة بالتغييرات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، بل نحول ما يصل إلينا من تداعياتها إلى مكاسب تعزز الرصيد الوطني في مجالات الأمن والسياسة والاقتصاد، خاصة أننا نمتلك من المقومات ما يؤهلنا لذلك، إن أحسنا توجيهها واستثمارها ضمن رؤية واضحة المعالم.
ولعل أبرز ما يجب علينا مراعاته في هذا السياق هو التقليل من الانشغال بالتفاصيل، مهما كانت أهميتها، لأنها قد تحجب عنا، في الحد الأدنى، رؤية ما هو أعمق وأبقى أثرا. فالملاحظ أن النقاش العام يستهلكه ما هو يومي وعابر، بينما تتطلب المرحلة تركيزا أكبر على القضايا الاستراتيجية التي تتعلق بتحديات البقاء، وتحدد موقع الدولة في محيطها، وتؤثر في مستقبلها على المدى المتوسط والبعيد. إن الأمم التي تنشغل بصغائر الأمور تفوت على نفسها فرصا تاريخية، بينما تلك التي تركز على الكبريات ترسم لنفسها مكانة مستحقة في موازين القوة والتأثير.
وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة إعادة توجيه الجهد الفكري والسياسي نحو الملفات الكبرى، مثل الأمن القومي، والتحولات الاقتصادية العالمية، ومكانة البلاد في سلاسل الإنتاج والطاقة، إضافة إلى تعزيز الحضور الدبلوماسي في القضايا الإقليمية والدولية. فهذه القضايا هي التي تصنع الفارق الحقيقي، وهي التي ينبغي أن تستحوذ على النصيب الأوفر من النقاش والاهتمام.
وفي هذا السياق، يبدو فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وهو الاستراتيجي صاحب الرؤية الثاقبة فيما يخص القضايا الوطنية والدولية، ملما بهذه الإشكالية، إذ ما فتئ في أحاديثه الموجهة للأمة، وتلك التي ألقاها في عدة محافل دولية، يذكرنا بضرورة أن نرفع جميعا من مستوى تفكيرنا إلى ما هو ضروري، وأن نضع في الاعتبار حجم التحديات التي تواجه العالم من حولنا، وما تفرضه من يقظة دائمة واستشراف للمستقبل.
ولذلك ما يبرره، فالرجل استراتيجي في المقام الأول، وصاحب تجربة طويلة زكتها التجارب العملية، قبل أن تزكيها دول العالم المهتمة بقضية إقليم الساحل والصحراء، وهو كذلك صاحب رؤية وقائد صقلته التجارب والمعارف، وتحمل المسؤوليات الجسام في مراحل حساسة وحاسمة، ما منحه قدرة على قراءة التحولات واستباق تداعياتها.
وفي سياق الجغرافيا السياسية، تقع موريتانيا في بيئة إقليمية تمر بمرحلة مفصلية. فمن جهة الجنوب والشرق، تعيش منطقة الساحل الإفريقي حالة من عدم الاستقرار، تتداخل فيها عوامل الضغط والتوتر الأمنية والسياسية، وتضعف فيها مؤسسات الدولة في بعض البلدان العاجزة عن توفير الأمن لمواطنيها، وهو ما ينعكس على كامل الإقليم. ومن جهة الشمال، يظل ملف الصحراء قضية قائمة في معادلات المنطقة، بما تحمله من أبعاد سياسية وتوازنات دقيقة، تفرض على الفاعلين قدرا عاليا من الحذر والحكمة.
كما أن التحولات الاقتصادية العالمية، خاصة في مجالات الطاقة، تفتح أمام موريتانيا آفاقا واعدة، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات تتطلب تخطيطا استراتيجيا طويل المدى، يوازن بين الاستفادة من الفرص وحماية المصالح الوطنية.
وعليه، فإنه يبدو لي من الضرورة بمكان أن تتجه النخبة السياسية والمجتمعية إلى مواكبة القيادة السياسية، من خلال إثراء النقاش العام بالقضايا الجوهرية التي ترتبط بالمصير، وفي المقابل التقليل من الانشغال بالتفاصيل والقضايا الصغيرة التي تستهلك الوقت والتفكير، وتؤثر سلبا على مجريات الأمور. فالدعم الحقيقي للقيادة السياسية يكون بمواكبتها في مستوى التفكير، وإسنادها عبر نقاش نخبوي رصين ومسؤول، يؤثر أيما تأثير في الرأي العام، ويوجه بوصلة الاهتمام نحو ما ينفع البلاد ويخدم مستقبلها.
إن المرحلة تقتضي وعيا جماعيا بأن بناء الدول لا يتم عبر الانشغال بالهوامش، بل عبر التركيز على الكبريات، وصياغة الخيارات الكبرى بقدر عال من المسؤولية والتبصر، وهو ما ينبغي أن يكون عنوانا للخطاب السياسي في هذه المرحلة الحالية والمستقبلية.
محمد سالم ولد بوخريص – عضو المكتب السياسي لحزب الإنصاف
