تشير أحدث المعطيات إلى أن الأداء الضريبي في موريتانيا شهد تحسنا طفيفا خلال السنوات الأخيرة، غير أنه ما يزال دون المستويات التي تسمح بتعبئة موارد كافية لتمويل متطلبات التنمية.
فقد بلغت نسبة الضغط الضريبي 14.7% في عام 2022، مقابل 14.4% في عام 2021، في مسار تصاعدي محدود يظل أقل من المتوسط الإفريقي البالغ 16%. كما لا تزال نسبة التحصيل الضريبي دون المستوى المطلوب، بفعل عوائق فنية ومحاسبية، إلى جانب إعفاءات واسعة النطاق تخسر فيها الخزينة عشرات المليارات سنوياً.
ما هو الضغط الضريبي؟
يُقصد بالضغط الضريبي نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي، ويُعد مؤشراً أساسياً لقياس قدرة الدولة على تعبئة مواردها الذاتية. وتبرز أهمية هذا المؤشر بوصفه أداة رئيسية لتمويل السياسات العمومية والاستثمار في الخدمات والبنية التحتية، فضلاً عن تقليص الاعتماد على التمويل الخارجي.
وسجّل الضغط الضريبي في موريتانيا أعلى مستوى له في عام 2018، بنسبة 15.1%، قبل أن يتراجع ثم يعاود الارتفاع بشكل تدريجي، في حين يعود أدنى مستوى مسجّل إلى عام 2010، عند 9.8%، وهو ما يعكس هشاشة المسار الجبائي وتأثره بالتقلبات الاقتصادية والمالية.
هيمنة الضرائب غير المباشرة
وعلى مستوى تركيبة الإيرادات، تُظهر بيانات عام 2022 أن النظام الضريبي الموريتاني لا يزال يعتمد أساساً على الضرائب غير المباشرة. إذ تمثل الضرائب على السلع والخدمات غير الخاضعة لضريبة القيمة المضافة نحو 33% من إجمالي الإيرادات الضريبية، بينما تسهم ضريبة القيمة المضافة بنسبة 28%، ما يبرز محدودية مساهمة الضرائب المباشرة في تمويل الميزانية العامة.
أهداف حكومية وإصلاحات مرتقبة
وفي محاولة لرفع وتيرة التعبئة الضريبية، أعلنت الحكومة الموريتانية هدفاً يتمثل في إيصال الضغط الضريبي إلى 17.5% بحلول عام 2026، مستندة إلى إصلاحات تشمل رقمنة الإدارة الضريبية وتوسيع الوعاء الجبائي، ولا سيما عبر إدماج مزيد من الأنشطة الاقتصادية غير المصنفة.
فجوة في التحصيل وإمكانات غير مستغلة
وفي ما يتعلق بالتحصيل، يكشف تقرير للبنك الدولي صادر عام 2024 عن فجوة كبيرة بين الإيرادات المحصّلة حالياً والقدرات الجبائية الكامنة، ما يشير إلى إمكانات غير مستغلة لزيادة دخل الدولة.
فمساهمة الضرائب العقارية، على سبيل المثال، لا تزال ضعيفة، إذ تقل نسبة القطع الأرضية الحضرية المسجلة بسندات عقارية رسمية عن 5%.
كما ظل تحصيل ضريبة العقارات غير المبنية شبه معدوم لسنوات، قبل الشروع في تحديد نسبها ابتداءً من عام 2024.
ويعزو التقرير هذا الوضع إلى عوائق مؤسسية وفنية، من بينها ضعف الرقمنة، داعياً إلى إصلاحات عاجلة لتعزيز التحصيل الضريبي.
كلفة الإعفاءات الضريبية
تبرز، في هذا السياق، مسألة الإعفاءات الضريبية بوصفها تحدياً إضافياً. فبحسب تقرير رسمي لعام 2024، تم إحصاء 1040 إجراءً إعفائياً مستمدة من 13 إطاراً قانونياً مختلفاً، بكلفة مالية تُقدّر بنحو 17.6 مليار أوقية جديدة خلال عام واحد.
وتمثل هذه الكلفة ما يعادل 4.08% من الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من ربع الإيرادات الضريبية العامة، بنسبة 26.6%. وتشير البيانات إلى أن 97% من هذه الإعفاءات هي إعفاءات كلية، تتركز أساساً في قطاعات المواد الغذائية والأدوية والتعدين والمحروقات، ما يثير نقاشاً حول فعاليتها الاقتصادية ومدى انسجامها مع أهداف العدالة الجبائية.
مقارنة إقليمية وتحدي القطاع غير الرسمي
وبالمقارنة مع دول الجوار في منطقة غرب إفريقيا، تبدو موريتانيا في موقع وسطي؛ إذ تتفوق على دول مثل غينيا بيساو والنيجر، لكنها تبقى بعيدة عن تجارب تُعد أكثر تقدماً، مثل السنغال، حيث تجاوز الضغط الضريبي 20% من الناتج المحلي.
ويُعزى جزء كبير من هذا الفارق إلى اتساع حجم القطاع غير الرسمي، الذي يمثل في موريتانيا ودول المنطقة ما بين 30% و40% من النشاط الاقتصادي، ويُعد من أبرز العوائق أمام تعزيز الإيرادات الضريبية.
وفي المحصلة، تعكس مؤشرات الضغط الضريبي في موريتانيا تقدّماً بطيئاً لكنه غير كافٍ، في ظل فجوة واضحة بين الواقع الحالي والإمكانات الجبائية المتاحة، ما يضع إصلاح النظام الضريبي في صلب النقاشات الاقتصادية والمالية خلال السنوات المقبلة.
