تشكل الحزمة الجديدة من إجراءات الدعم الاجتماعي التي صادقت عليها الحكومة خطوة اقتصادية واجتماعية مهمة في ظرفية تتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط على القدرة الشرائية للأسر محدودة الدخل. وتبرز أهمية هذه الإجراءات في كونها تستهدف بشكل مباشر الفئات الأكثر هشاشة من خلال آليتين متكاملتين؛ الأولى تتمثل في توفير المواد الغذائية الأساسية، والثانية في التحويلات النقدية المباشرة، وهو ما يعزز فعالية التدخل الحكومي ويضمن وصول الدعم إلى المستفيدين بأشكال متعددة تتناسب مع احتياجاتهم اليومية.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن ضخ أكثر من 12 مليار أوقية في الاقتصاد الوطني عبرالسلات الغذائية والتحويلات النقدية يمثل أداة فعالة لتحفيز الطلب الداخلي والمحافظة على مستويات الاستهلاك لدى شريحة واسعة من المواطنين. فحين تحافظ الأسر محدودة الدخل على قدرتها الشرائية، فإن ذلك ينعكس إيجابا على حركة الأسواق المحلية والتجارة الصغيرة، ويحد من الانكماش الذي قد ينجم عن تراجع الإنفاق الاستهلاكي. كما أن توجيه الدعم نحو الفئات ذات الميل المرتفع للاستهلاك يجعل الأثر الاقتصادي لهذه الموارد أكثر سرعة ووضوحا مقارنة بأشكال أخرى من الإنفاق العام.
أما اجتماعيا، فإن هذه التدابير تسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي وتقليص آثار التفاوت الاقتصادي، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية التي تواجهها المنطقة والعالم اليوم. فاستفادة أكثر من مليوني مواطن من التحويلات النقدية وما يزيد على مليون شخص من السلات الغذائية يخفف من مخاطر الهشاشة الاجتماعية ويمنح الأسر قدرة أكبر على مواجهة المتطلبات الأساسية للحياة. كما أن الاعتماد على السجل الاجتماعي وقواعد البيانات الحكومية يعكس تطورا ملحوظا في استهداف المستفيدين وتقليل احتمالات الهدر أو سوء التوجيه.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية إضافية لأنها لا تأتي بمعزل عن سياسة أشمل اعتمدتها الحكومة خلال الأشهر الماضية، بتوجيه من صاحب الفخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، شملت دعم الموظفين ذوي الدخل المحدود والمتقاعدين والأسر المسجلة اجتماعيا، فضلا عن استمرار دعم أسعار المحروقات والكهرباء والغاز المنزلي. هذا التراكم في التدخلات الاجتماعية يعكس رؤية تسعى إلى التوازن بين المحافظة على الاستقرار الاقتصادي الكلي وحماية الفئات الأكثر تأثرا بالتقلبات الاقتصادية، وهي معادلة غالبا ما تكون صعبة في الاقتصادات النامية..
ومع ذلك، فإن النجاح الحقيقي لهذه الحزمة لا يقاس بحجم الأموال المعبأة فقط، بل بمدى كفاءة التنفيذ وشفافية التوزيع وقدرة الحكومة على تحويل هذه التدخلات الظرفية إلى جزء من استراتيجية تنموية مستدامة تخلق فرص العمل وترفع الإنتاجية وتحد من الفقر بصورة هيكلية، وهي أمور تبدو بوادرها واضحة للعيان، وإذا ما اقترنت هذه الإجراءات بالإصلاحات الاقتصادية الرامية إلى تعزيز الإيرادات ومحاربة الفساد وترشيد الإنفاق، فإنها ستشكل نموذجًا إيجابيًا لتوظيف الانضباط المالي في خدمة العدالة الاجتماعية وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن.
محمد الأمين ولد المعلوم
إداري من السلك المالي
