إلى أبنائي

إلى أبنائي

بواسطة Ahmed

كان أجدادُنا يجوبون هذه الصحراء حفاة، لا يملكون من الدنيا سوى قِرَب ماءٍ وقليلٍ من الزاد، وقطع قماش. كانوا فقراء في أعيننا اليوم، رثّي الثياب، محدودي الوسائل، لكنهم - على نحوٍ يحيّرنا - كانوا أكثر سكينةً وطمأنينة وراحة بال. يفرحون، يبتهجون، ينامون بعمق، ويستقبلون الغد بقلوبٍ مطمئنة.
 

اليوم تغيّر المشهد. نملك السيارات الفارهة، والبيوت الواسعة، والحسابات البنكية، والتكنولوجيا التي تقرّب البعيد. ومع ذلك، تضاعف القلق، واشتدّ التَّوَتر والتَّمَوج، وعمّ الاضطراب تفاصيل حياتنا. لماذا كل هذا التوتر في زمن الوفرة؟
 

- السبب الأول ليس في ما نملك، بل في علاقتنا بما نملك. 
أجدادنا لم يكن لديهم أملاكا يخسرونها، لذلك كانوا أحرارًا. أما نحن، فنعيش أسرى الممتلكات والوظائف: نخشى فقدانها، نخاف من نقصانها، ونقارن أنفسنا بغيرنا ليلا نهارا. الثروة حين تتحول إلى هاجس، تصبح عبئًا نفسيًا لا نعمة.
 

- السبب الثاني: بساطة الحياة. 
حياة البداوة، رغم قسوتها، كانت واضحة الإيقاع: بحث عن الماء، رعي، سفر، طلبُ عِلم، راحة. أما حياتنا اليوم فهي معقدة، مليئة بالضغوط، بالمواعيد، بالديون، وبالسباق الدائم نحو “المزيد”. هذا التعقيد المستمر ينهك الروح قبل الجسد.
 

- السبب الثالث: فقدان المعنى. 
كان الإنسان الموريتاني قديمًا له ضميرٌ، يعرف لماذا يستيقظ صباحًا، ولماذا يتعب، ولمن يعيش. الأسرة، القبيلة، والتكافل كانت مصادر معنى وانتماء. اليوم، اتسعت المدن وضاقت القلوب، وكثر الناس وقلّ القرب، فشعر الفرد بالوحدة حتى وهو محاط بالجميع.
 

- السبب الرابع: أثر الخوف من المستقبل. 
أجدادنا عاشوا يومهم بيومه، متوكلين، راضين بالقليل. أما نحن فنحمل همّ الغد دائمًا: ماذا لو خسرتُ الوظيفة أو السيارة أو المال؟ ماذا لو مرضتُ؟ ماذا لو تغيّر الرئيس أو الوزير؟ هذا التفكير المستمر سرق منا نعمة الحاضر.
 

المفارقة المؤلمة أن التقدم المادي لم يصاحبه نضج روحي بالقدر نفسه. فكبرت بيوتنا، لكن صغرت ضمائرنا. وازدادت حساباتنا، لكن نقص رصيد السكينة في قلوبنا.
الحل يكون في استعادة حرية الضمير وحكمة البساطة: أن نتعلّم الرضا، وأن نخفف من أثقال المقارنة والجشع والهلع. فالسعادة، كما علّمنا الآباء والأجداد، ليست فيما نملك… بل فيما لا يقلقنا. 
والغنى .. عن الشيء، لا به.

الوزير السابق محمد فال ولد بَلّال