نحو ثقافة سيبرانية وطنية في موريتانيا

نحو ثقافة سيبرانية وطنية في موريتانيا

بواسطة Ahmed

شهدت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في استخدام التكنولوجيا والخدمات الرقمية، سواء في المؤسسات الحكومية أو الشركات الخاصة أو حتى في الاستخدام اليومي للأفراد. هذا التطور يمثل خطوة إيجابية نحو التحديث، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام مخاطر إلكترونية متزايدة، تتطلب وعيًا واستعدادًا جادًا.

في بدايات استخدام الحاسوب والإنترنت، كان الاهتمام ينصبّ على تسهيل العمل وتسريع الإجراءات، دون تركيز كافٍ على حماية البيانات. ومع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن المعلومات هي أحد أهم أصول المؤسسات، وأن فقدانها أو تسريبها قد يؤدي إلى خسائر مالية ومعنوية جسيمة.

من هنا تبدأ فكرة الثقافة السيبرانية الوطنية : أن ندرك جميعًا، مؤسسات وأفرادًا، أن حماية المعلومات ليست مهمة فنية فقط، بل مسؤولية مشتركة. فالموظف الذي يستخدم كلمة مرور ضعيفة، أو الشخص الذي يضغط على رابط مجهول، قد يكون دون قصد سببًا في اختراق نظام كامل.

لم يعد الخطر يطرق الأبواب فقط… بل يدخل أحيانًا عبر رابط، لم تعد الهجمات تحتاج إلى حدود… بل قد تبدأ برسالة قصيرة، أو بريد إلكتروني مزيف، أو صفحة تشبه موقعًا رسميًا.

نحن اليوم نعيش في عصر رقمي تتسارع فيه الخدمات الإلكترونية، وتتحول فيه المعاملات الورقية إلى أنظمة رقمية، وتُخزَّن فيه بياناتنا الشخصية والمالية والمهنية على خوادم متصلة بالعالم. هذا التحول يمثل فرصة عظيمة لموريتانيا نحو التطوير والكفاءة والشفافية، لكنه في الوقت ذاته يفرض مسؤولية أكبر: مسؤولية حماية هذا الفضاء الرقمي.

إنَّ بناء ثقافةٍ سيبرانيةٍ وطنية في موريتانيا لا يمكن أن يتحقق بردود الأفعال المؤقتة، بل يتطلّب انتقالًا حقيقيًا من المقاربة التفاعلية إلى المقاربة الاستباقية؛ أي من معالجة الحوادث بعد وقوعها إلى منعها قبل حدوثها.

ويتجسّد ذلك عبر اعتماد أطرٍ ومعايير دولية معترف بها، مثل معايير ISO، وعلى وجه الخصوص معيار ISO/IEC 27001 الخاص بنظم إدارة أمن المعلومات، الذي يوفّر إطارًا منهجيًا متكاملًا لتحديد المخاطر وتقييمها ومعالجتها ضمن دورة مستمرة للتحسين والتطوير.

غير أن الثقافة السيبرانية لا تعني أن يتحول الجميع إلى خبراء في التقنية، بل تعني أن يصبح كل مواطن واعيًا بسلوكه الرقمي، وكل موظف مدركًا لمسؤوليته في حماية بيانات مؤسسته، وكل إدارة ملتزمة بتطبيق سياسات واضحة وإجراءات عملية لأمن المعلومات.

فالمواطن الذي يضغط على رابط مجهول قد يعرّض حسابه للاختراق.

والموظف الذي يستخدم كلمة مرور ضعيفة قد يفتح بابًا لتسريب بيانات حساسة.
والمؤسسة التي لا تعتمد معايير حماية واضحة قد تخاطر بسمعتها وثقة عملائها.
 
وليس هذا التوجه تنظيرًا إداريًا، بل ضرورة تؤكدها الأرقام العالمية.
 
فبحسب تقرير تكلفة اختراق البيانات الصادر عن IBM، بلغ متوسط تكلفةخرق البيانات عالميًا عام 2023 نحو 4.45 مليون دولار، وارتفع في عام 2024 إلى 4.88 مليون دولار، وهو أعلى رقم يُسجَّل حتى الآن. هذه الأرقام تعني أنحادثة واحدة فقط قد تُكلف مؤسسة ما ميزانية سنوات.
 
أما تقرير تحقيقات خروقات البيانات (DBIR) الصادر عن Verizon، فيؤكدأن 82% من الحوادث السيبرانية تتضمن عنصرًا بشريًا — سواء بسبب كلمةمرور ضعيفة، أو رسالة تصيّد احتيالي، أو خطأ غير مقصود من موظف.
أي أن أغلب الهجمات لا تبدأ بثغرة تقنية معقدة، بل بسلوك بسيط غير واعٍ.
 
وفي المقابل، تُظهر الدراسات أن المؤسسات التي تطبق أطرًا معيارية لإدارة أمن المعلومات وتتبنى نهجًا قائمًا على تقييم المخاطر تقلّ لديها مدة اكتشاف الاختراقات والاستجابة لها بشكل ملحوظ، وتنخفض الخسائر المرتبطة بها بمئات الآلاف من الدولارات مقارنة بالمؤسسات التي لا تعتمد سياسات واضحة.

كما أن المؤسسات التي تطبق أنظمة إدارة أمن المعلومات وفق معايير معترف بها تسجل انخفاضًا ملموسًا في عدد الحوادث المتكررة، نتيجة التحسين المستمر والرقابة الدورية.

إن الفرق بين مؤسسة تطبق المعايير وأخرى لا تطبقها، ليس فرقًا شكليًا في الوثائق، بل فرق في عدد الحوادث، في سرعة الاستجابة، في حجم الخسائر، وفي مستوى ثقة العملاء والشركاء.

وعليه، فإن تبني المعايير الدولية ليس ترفًا تنظيميًا، بل ضرورة استراتيجية.
إنه انتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر، ومن ردّ الفعل إلى الاستعداد،
ومن الخسارة المحتملة إلى الاستثمار في الوقاية. فالأمن السيبراني في نهاية المطاف ليس مجرد أنظمة تقنية متقدمة، بل منظومة وعيٍ وسلوكٍ وسياساتٍ ومعايير.
وحين تتكامل هذه العناصر، يصبح الوطن أكثر قدرة على حماية بياناته، وتصبح مؤسساته أكثر صلابة، ويصبح مواطنوه أكثر أمانًا في فضائهم الرقمي.

وهنا تتجلى حقيقة جوهرية: الثقافة السيبرانية لا تعني أن يتحول الجميع إلى خبراء تقنية، بل أن يصبح كلمواطن واعيًا بسلوكه الرقمي، وكل موظف مدركًا لمسؤوليته، وكل إدارة ملتزمةبسياسات واضحة وإجراءات عملية.   
 
إن الأمن السيبراني يبدأ من سلوك بسيط:
التأكد قبل الضغط،التحقق قبل المشاركة،
التحديث المستمر للأنظمة،استخدام كلمات مرور قوية، وتفعيل وسائل الحماية الإضافية.
لكن الأمر لا يتوقف عند الوعي الفردي فالمؤسسات مطالبة باتخاذ قرار إداري واضح بتبني ثقافة أمن معلومات حقيقية، تقوم على التدريب المنتظم، ووضع سياسات استخدام للتقنية، وتحديد المسؤوليات، واعتماد معايير منظمة لإدارة المخاطر. 
 
إن بناء ثقافة سيبرانية وطنية لم يعد خيارًا مؤجلًا، ولا ملفًا تقنيًا يمكن تأخيره إلى مرحلة لاحقة من مسار التحول الرقمي. بل هو الأساس الذي يُبنى عليه نجاح كل مشروع رقمي، وكل منصة خدمية، وكل قاعدة بيانات وطنية.

إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق القيادات الإدارية وصناع القرار في مختلف القطاعات، لاتخاذ خطوات واضحة ومعلنة نحو ترسيخ أمن المعلومات كأولوية استراتيجية. فإصدار التوجيهات وحده لا يكفي، بل المطلوب هو:
• اعتماد سياسات رسمية لأمن المعلومات داخل المؤسسات.
• تخصيص ميزانيات واضحة للتكوين والحماية التقنية.
• إدماج إدارة المخاطر السيبرانية ضمن منظومة الحوكمة.
• إلزام المؤسسات بخطط استجابة للحوادث الرقمية.
• دعم الكفاءات الوطنية المتخصصة في هذا المجال.

إن المؤسسات التي تؤجل الاستثمار في حماية أصولها الرقمية اليوم، قد تجد نفسها غدًا أمام أعباء ثقيلة يصعب تداركها؛ فالهجمات الإلكترونية لا تكتفي بإحداث خسائر مالية فحسب، بل قد تمسّ أساس الثقة التي تشكّلت عبر سنوات من العمل والعطاء.

فالثقة في العصر الرقمي تشبه البناء الدقيق؛ قد يستغرق تشييده زمنًا طويلًا، لكنه قد يتصدع في لحظات إذا غابت منظومة وقاية واعية ومستقرة. ولذلك، لم يعد الحديث عن حماية الأنظمة مجرد خيار تنظيمي، بل أصبح جزءًا من منظومة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فسلامة الفضاء الرقمي ترتبط اليوم بسلامة الاقتصاد، واستمرار الخدمات، وصون حقوق الأفراد، وتعزيز مكانة الدولة في العالم الرقمي المتسارع.

إن موريتانيا تقف اليوم أمام فرصة مهمة لصياغة نموذج وطني جديد يقوم على المعرفة، والانتباه المبكر للمخاطر، والعمل الجماعي بين المؤسسات والأفراد. فبناء بيئة رقمية آمنة لا يتحقق عبر الحلول التقنية فقط، بل عبر ترسيخ سلوك واعٍ، وثقافة مسؤولة، وإدراك أن كل مستخدم للفضاء الرقمي هو جزء من منظومة الحماية الشاملة.

وتبدأ هذه المسيرة من القرارات الاستراتيجية داخل المؤسسات، حيث تتحول الرؤية القيادية إلى سياسات واضحة، وبرامج تدريب مستمرة، وآليات متابعة وتقويم دائمة. ثم تمتد هذه الرؤية لتصبح ممارسة يومية لدى الموظف، ووعيًا شخصيًا لدى المواطن في تعامله مع عالم متغير يعتمد على البيانات والمعلومات أكثر من أي وقت مضى.

ومن هذا المنطلق، يصبح المستقبل الرقمي لموريتانيا مشروعًا جماعيًا يستند إلى المعرفة، والمسؤولية، والإرادة المشتركة لبناء فضاء إلكتروني أكثر أمانًا، وقدرةً على حماية الأجيال القادمة.

نحو ثقافة سيبرانية وطنية في موريتانيا
ليس مجرد شعار… بل رؤية لبناء وطن رقمي آمن، قوي، وقادر على مواكبة التحولات العالمية بثقة وثبات.

المهندس عثمان محفوظ النون