حول مدلول #الصَّنَمِيَّة…L’idolâtrie
#للذين_يفهمون.
#دون_تعمّق.
تسنّت لي اليوم ،خلال إجازتي "الصامتة" بوهاد آمشتيل مأوى الزامكين الصابرين، قراءة كتاب لطالما تُقت إلى الغوص في مضمونه ، يتعلق الأمر بكتاب "أصنام المجتمع" للدكتور عبد الجليل الطاهر ، وهو عالم اجتماعي عراقي ألّف هذا الكتاب منتصف الخمسينيات من القرن الماضي(1956)، وبعد الغوص فيه وجدت ضالتي في تأسيس مدلول ما أسميه بـ"الصَّنمية".
لقد وجدت أن علماء الاجتماع ورواد المدارس الاجتماعية بحثوا باستفاضة مفهوم صناعة الأصنام، متجاوزين المدلول المألوف الذي يورده ابن الكلبيّ في "كتاب الأصنام" إلى مدلول اجتماعي ينقل الصنم من حجر يُعبد، إلى شخص، أو فكرة، ينجح المجتمع في تحويله/ها من موضوعٍ للنقاش إلى حقيقةٍ فوق النقاش، متكئاً في ذلك على ما يسميه الفيلسوف "بيكُو" بالأوهام التي تتشكل عند ما يسميه: السدنة القادرون على تزييف الحقائق» وتشويه الواقع» والتي تتكون عنده من فريقين أساسيين يختلفان في المصلحة والسلوك والتفكير» وهما فريق من الثعالب المراوغة المخادعة ذات السلوك الحربائي وفريق من الذئاب المفترسة التي تتحيّن كل فرصة وتستغل كل مناسبةٍ لتحقیق مآربهاء وتأمين مصالحها.
الصنمية إذن وفق هذا المدلول تبدأ حين يُجرَّد المفهوم من معناه المادي ، ثم يُعاد تشكيله بما يخدم سلطةً أو جماعةً أو مصلحة. لتصبح «الدعاية» إعلامًا، والتلقينُ وعيًا، والتبعيةُ انتماءً، والتقديسُ احترامًا، والصمتُ حكمةً، ثم يُطلب من الناس أن يروا الأشياء كما تريد لهم الصنمية أن يروها، لا كما هي.
وكنتيجة لهذا فإن الصنم لا يحكم العقول بالقوة وحدها؛ بل يجعل ضحاياه يدافعون عنه وهم يظنون أنهم يدافعون عن الحقيقة.
و لهذا فإن الصنمية لا تموت بسقوط صنمٍ واحد؛ إذ سرعان ما تصنع الحالة الاجتماعية صنمًا جديدًا، كما صنعت ظروفٌ تاريخية معينة هتلر وموسوليني، ثم أسقطتهما حين تغيّرت تلك الظروف.
إن المشكلة إذن ليست في الصنم وحده، بل في البيئة التي تحتاج إلى صنم.
فحين يتوقف الإنسان عن السؤال، ويخاف من الشك، ويستعير قناعاته من الجماعة، يصبح مستعدًا لاستبدال صنمٍ بصنم، دون أن يشعر أنه غيّر شيئًا.
وحينئذ يكون التحرر الحقيقي لا يكون بكسر الأصنام الظاهرة فقط، بل بتحرير العقل من الحاجة إلى صنمٍ جديد.
فليست المشكلة في أن يكون للإنسان رموزٌ ومراجع وانتماءات؛ المشكلة تبدأ حين يفقد الإنسان قدرته على الاختلاف معها دون أن يشعر أنه يخون نفسه.
إن الصنمية في جوهرها موتٌ بطيء للعقل: تبدأ حين نقدّس الأشخاص، وتنتهي حين نقدّس أخطاءهم.
حين تتحول العادات إلى أصنام.
من الأفكار اللافتة في كتاب «أصنام المجتمع: بحث في التحجير والتعصب والنفاق الاجتماعي» للدكتور عبد الجليل الطاهر، أن أخطر القيود ليست دائماً تلك التي تُفرض بالقوة، بل تلك التي يصنعها المجتمع ثم يمنحها قداسةً تمنع الاقتراب منها أو مساءلتها.
فحين تتحول العادة إلى حقيقة مطلقة، والتقليد إلى معيار للحق، والولاء للجماعة أو الأشخاص إلى شرط للقبول، يصبح الإنسان أسيراً لما ورثه، لا لما يقتنع به.
والأخطر أن بعض الناس قد يجدون في تكريس هذه «الأصنام» مصلحةً شخصية؛ فيدافعون عن منظومةٍ تقيدهم هم أنفسهم، لأنهم يرون فيها ضماناً لمكانتهم ونفوذهم.
إن المجتمعات لا تتقدم بكثرة ما تهدم من أصنام الحجر، وإنما بقدرتها على تحطيم أصنام الفكر والعصبية والنفاق والخوف من المختلف.
فكل فكرة لا يجوز نقدها، وكل عادة لا تجوز مساءلتها، وكل سلطة اجتماعية لا تقبل المحاسبة، قد تتحول مع الزمن إلى صنم جديد.
إذا ما قمنا بعد هذا الغوص باسقاط حر للمفهوم على واقعنا الاجتماعي والسياسي سنكتشف أن «الصنمية» ليست مفهوماً بعيداً عن حياتنا اليومية، ولا ظاهرةً محصورةً في التاريخ أو في المجتمعات البدائية؛ بل هي آلية حاضرة في تفاصيل كثيرة من حياتنا، تتبدل أشكالها بتبدل الأزمنة، بينما يبقى جوهرها واحداً: تعطيل السؤال، وتقديس الموروث، وتحويل الأشخاص والأفكار والمواقع والمصالح إلى حقائق لا تقبل النقاش. تبدأ الصنمية حين يصبح الشخص أكبر من الفكرة، والجماعة أكبر من الحقيقة، والولاء أقوى من النقد. عندها لا يعود السؤال: «هل هذا صحيح؟»، بل: «مع من أنت؟».
والصنمية لا تخص السلطة وحدها؛ فقد يقع فيها الموالي حين يدافع عن كل شيء، كما يقع فيها المعارض حين يرفض كل شيء. فكلاهما قد يستبدل العقل بالولاء.
ولا شك أن أخطر أصنامنا هو الخوف من الاختلاف؛ حين يصبح الإنسان رقيباً على نفسه، ويقول ما ترضاه الجماعة، لا ما يراه حقاً.
لذلك فالمشكلة ليست في إسقاط صنمٍ واستبداله بآخر، بل في تحرير العقل من الحاجة إلى الصنم أصلاً.
فالمجتمع الحر ليس الذي يخلو من الرموز، وإنما الذي يستطيع أن يحترمها دون تقديس، وينتمي دون تبعية، ويختلف دون خوف، وينقد دون أن يُتهم بالخيانة.
فالصنم لا يعيش بقوته وحدها؛ إنه يعيش بقدر حاجتنا إليه.
وبعدُ فإن الصنمية ليست تقديس أشخاصٍ أو أفكارٍ فحسب، بل هي تعطيلٌ للعقل حين يتحول الاحترام إلى تقديس، والانتماء إلى تبعية، والولاء إلى صمتٍ عن الخطأ.
لذلك، فإن إسقاط الأصنام لا يبدأ بإسقاط أصحابها، وإنما بإسقاط الحاجة النفسية والاجتماعية إلى تقديسها.
فالمجتمع الذي يحرر عقله لا يستبدل صنماً بصنم، ولا يقدّس مَن أسقط القديم؛ بل يجعل الحقيقة فوق الأشخاص، والضمير فوق الجماعة، والعقل فوق الخوف.
ومن هنا كان أخطر سؤالٍ ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: من هو صنم زماننا أو مكاننا؟
بل: لماذا نحتاج، في كل عصر، ومكان إلى صنم؟.
إن جميع الأصنام تتهاوى حين نفرغها من شحنة التقديس، حين تخلو من سلطان السلطة ..فالسلطة وحدها أي سلطة هي من تمتلك معاول هدم الصنمية.. لكن رافعات تقديس الأصنام بأيدينا ،ونحن بإستطاعتنا ان نطرحها ارضاً عندما تتحرر عقولنا..من الأوهام.
إن هذا التحرر هو جوهر مبادئ خطابات صاحب الفخامة #محمد_ولد_الشيخ_الغزواني التي ظلت تترى من اجل القضاء على العقليات البائدة و نبذ الأفكار النمطية الصنمية الزائفة... وهي المبادئ التي عكستها حكومة معالي الوزير الاول المختار اجاي في برنامج #تعمير.
الدكتور هارون إديقبي
