غزواني..الإنجاز بدون عُقَد

غزواني..الإنجاز بدون عُقَد

غزواني..الإنجاز بدون عُقَد
عبد الله حبيب الله

قد تكون المرة الأولى التي نسمع فيها اسم رئيس سابق على لسان رئيس في السلطة، وقد تكون المرة الأولى التي يُذكر فيها نظام سابق أو رئيس سابق بدون تنقيص. أما إضافة لقب "المؤسس" لاسم الراحل المختار ولد داداه، فهو ما لم يرد على لسان مسؤول في خطاب جماهيري قبل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.

تظهر بعض التصريحات، والمواقف، صغيرة في حجمها، أو عابرة في سياقها، لكن دلالتها تكون عميقة إلى درجة يصعب تخيلها، لأنها تعطي صورة دقيقة عن شخصية، أو تترجم عن رؤية، أو تلخص مسارا.

عبارة "الرئيس المؤسس" تعني أن قائلها لا يشعر بأي عقدة تجاه من قيلت عنه، بل يشعر بعكس ذلك، بحاجة البلاد إلى مرجعيات عليا لا ترقى إليها الشبهات، لأن وجود مرجعية عليا والتغاضي عما قد يكون شاب تصرفاتها من أخطاء، يعني الإبقاء على مثل أعلى يمكن التطلع إليه، وإبقاء قيمة مطلقة في أذهان الأجيال.

انعدام العقد تجاه من سبقوا إلى نفس المقعد، يعبر عن مستوى من الثقة في النفس، يمكن من تلمذة واعية تستثمر رصيد السالف، ولا تغمط اللاحق حقه، في الإبداع والابتكار..

وهي تعني وعيا من نمط آخر قائما على أن الحضارة تراكم، وأن الدول "صرح لا يكتمل العمل فيه". إن ذكر الرئيس المؤسس على نمط تبجيلي يشبه تصرفات الرئيس غزواني؛ فقد قال في مؤتمره الصحفي قبل أسابيع إنه رفض تسمية توسعة جامعة نواكشوط جامعة أخرى، وأمر بالإبقاء عليها توسعة، وهي توسعة قد تفوق الأصل أو تساويه، لكن غزواني اقتصر على اعتبارها توسعة. "وتصغر في عين العظيم العظائم".

إعادة بناء طريق الأمل التي اكتملت، وإعادة بناء طريق أگجوجت- أطار التي أعلنها غزواني هذا المساء، وربما غدا إعادة بناء طريق نواكشوط- نواذيبو، كلها أعمال تشبه "عبارة الرئيس المؤسس". إنها "معجم من الأفعال" يوازي "معجم الأقوال" الذي جاءت منه العبارة.

الرجل الذي يرفض تسمية التوسعة جامعة جديدة، ويرفض تسمية إعادة البناء إعادة تأسيس، لا يفعل ذلك لأنه لا يعي حجم منجزاته، ولكنه يفعله لأنه يستصغرها في جنب "طموحه للوطن" يفعله لأنه يعي أن لديه مشاريع ستحمل اسمه، ستفوق التي ابتدعها من سبقوه؛ فجامعة نواذيبو، والعدد الضخم من المؤسسات الجامعية (معاهد ومدارس)، وميناء المياه العميقة، ومشاريع إزالة الطمي، ومضاعفة آفطوط الساحلي، وسقاية كيفة من النهر، ومشروع الصرف الصحي في نواكشوط.. ومشروع الأمل الكهربائي (نواكشوط-النعمه) ستنسي المتابعين ما سبقها في مجالاتها..

لكن لماذا استذكر غزواني الرئيس المؤسس في سؤاله عن الوطن الذي نحلم به؟

الواقع أن الرئيس غزواني منذ أن جاء بدأ الحفر عن الأساسات الأولى، وبدأ استكمالها وتوسيعها، وهو يأمل أن يعود إليها في أبعادها المادية والمعنوية، ولكنه اختار أن يفعل ذلك دون أن يحدث الضجيج الذي يصاحب دعاوى إعادة التأسيس، ودون أن يحاول استنقاص جهد من أسّسوا أو من مروا بعد التأسيس؛ فلكل "نصيبه من الإنجاز والصواب والتراكم".. هكذا قال الرئيس غزواني في إطلالته الأولى على الموريتانيين، وهكذا يتحدث الرئيس غزواني بعد سبع سنوات من ممارسة الحكم، والتشييد والبناء، وإعادة البناء، وتوسيع الأساسات، والبناء عليها.

قالها هذا المساء لأنه يريدها حديثا عن مدخل لإحياء الأسس والبناء عليها، في وجه حوار وطني لا يريد لطموحه سقفا، ولا لنقاشاته حدودا.

استذكر خطاب الرئيس المؤسس، وسؤاله، وقد مر عليه ما يقارب سبعين سنة، ليقول إن الإجابات التي قدمت لن تكون نهائية أبدا، لأن مسؤولية كل جيل هي طرح السؤال، وتقديم الإجابة وفقا لظروفه، وشروط زمانه، والفرص المتاحة له، ويريد الرئيس غزواني أن نقدم اليوم إجابة تناسب زماننا، وتطلعاتنا، وتناسب مسؤوليتنا الوطنية والتاريخية.. لا على مستوى هوية موريتانيا الدينية والثقافية، وطبيعة نظامها،؛ فتلك قضايا تحسم مرة واحدة، وقد حسمت..

لكن الموقع في العالم، والاختيارات التنموية، والاستجابة للتحديات المتجددة، تبقى دائما محل أسئلة تتطلب إجابات..