ولد اجاي بين الثقة والعقدة
أحمد سيدي محمود
مع كل حدث جديد يعود الوزير الأول المختار ولد اجاي إلى الواجهة، حتى أصبح نقطة ارتكاز في التناول الإعلامي والسياسي لكل الأحداث الوطنية.
مع كل أزمة، وفي كل مناسبة، يستدعى اسم الرجل بوصفه محركا مسؤولا، أو متهما يحاكمه خصوم النظام، وبعض جيوب مؤيديه، أو على الأصح؛ خصوم النظام "اللابسون ثوب المؤيدين"، وهم في الغالب منزوعو ثقة لم يمتلكوا شجاعة الخروج علنا لمعارضة الرئيس محمد ولد الغزواني، أو أصحاب مصالح داست عليها إصلاحات الرئيس التي أسند تنفيذها والدفاع عنها والتبشير بها إلى رجل ثقته.
يتمنى خصوم، ولد اجاي، مع كل أزمة أن يفقد ثقة الرئيس غزواني، ويذهبون بأمنياتهم إلى الفضاء العام ينشرونها على شكل تحليلات، أو "تسريبات"، هي في الواقع أقرب إلى "النميمة العلنية"، منها إلى استقراء الوقائع، أو تفسير الأحداث.
تقول الوقائع شيئا آخر في كل مرة؛ فالرجل الذي أرادوا أن يكون حريق محطتي الكهرباء خاتمة مسيرته في قيادة العمل الحكومي، اختاره الرئيس ناطقا رسميا باسمه في معالجة الأزمة؛ فكان هو من أعلن إنجاز الرئيس وعوده التي قطع في تصريحه المقتضب الجامع ليلة زيارة المحطتين.
قال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كلماته القليلة، منفردا، بملامح صارمة؛ وبعد أيام أسند إلى وزيره الأول الإعلان عن إنجاز الوعود؛ إعادة الكهرباء للمواطنين، وتشكيل لجنة التحقيق التي ستجيب على كل الأسئلة التي أجملها الرئيس في خرجته، وفصلها الوزير الأول في إعلانه باسم رئيس الجمهورية.
فقاعة الدعاية التي يتكشف خواؤها كل مرة، تقطع مراحل في قفزها إلى الأمام؛ فتختار جزئية من كلام الوزير الأول، لتدعي تناقضا لم يقع، وتوهم نفسها، وبعض جمهورها أنها سجلت نقطة ضد الرجل. مشكلتهم أن المختار يختار كلماته بعناية، وتصعب مغالطته في المعلومات الفنية.
جزم الوزير الأول كتابة، ومشافهة، أن الخلايا، والقواطع المستجلبة في إطار برنامج تنمية نواكشوط لم تركب بعد، وبعضها لم يصل إلى البلاد أصلا، وأن ما تم تركيبه هو خطوط الجهد، ومحطات تحويل الجهد المنخفض، والإنارة العمومية. و استدرك بأن محطات تحويل الجهد المنخفض لا علاقة لها بالمحطتين المحترقتين. أما خطوط الجهد فلم ينفي تركيبها في المحطتين المعنيتين.
لكن الدعاية قصيرة المفعول اعتقدت أنه بمجرد أن ينفي تركيب معدات حددها بالصفة والاسم، فهذا يعطيها حجة لتطعن في كلامه، وتدعي نفيه تركيب أي معدات كهربائية من مشمولات برنامج تنمية نواكشوط.
و كأن المقصود من كل ذلك تحضير الرأي العام لتحميل الوزير الأول أي خلل أو تقصير في أي قطاع حكومي خلال السنتين الاخيرتين. لنهب أن خطوط الجهد المقامة في إطار برنامج تنمية انواكشوط هي من تسببت في الحريق الذي عرفته المحطتين أو أن خللا حدث في أحد الطرق أو الجسور أو قنوات الري أو المدارس أو المستشفيات التي تم إنجازها في هذه الفترة، فبأي منطق نحمل الوزير الاول كامل المسؤولية؟
إنها أمراض القلوب و عقد النقص التي تفقد المنطق .
قبل أسابيع ظهر المختار ولد اجاي كما لم يظهر أي وزير أول موريتاني من قبل؛ فألقى خطابا في ذكرى تنصيب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني السابعة، لمدة ساعة ونصف قدم منجزات رئيسه بالأرقام، منقوعة في خميرة من فلسفة الحكم، مسبوكة برباط من التكامل التنموي والاجتماعي، واضعا العمل الحكومي، في سياق رؤية وطنية شاملة، وبرنامج تغيير واعٍ ومتدرج، يطبق باحتراف ومهنية عالية، كل ذلك بلغة صقيلة، وعبارة حاسمة، ومنطق غير متردد.
وما أن انتهت مداخلته، التي خللها باستشهادات من حديث الرئيس في مؤتمره الصحفي، حتى خرجت تلك الأقلام مدعية أن ولد اجاي يريد امتلاك خطاب رئيس الجمهورية، وأن كلام الرئيس لا يحتاج تلك الحواشي، والشروح.
ونسي منتجو "النميمة العلنية" أن ولد اجاي، كان في شروحه وتعقيبه يروي الكلام الذي يسمع كل يوم من الرئيس غزواني، وكان ناطقا باسمه، يعيد إلى الأذهان رؤاه ويذكر الناسين والمتناسين أن كل الذي يحدث، وكل الذي ينجز، وكل الذي يتحقق، نابع من رؤية واحدة، يختار صاحبها أين يضع ثقته بعناية، ويتابع تنفيذها بحزم، ويدقق في كل تفصيل، ويحاسب على كل
هفوة.
الذين يكتبون، ويتحدثون، ويهمسون، والذين يعيدون نشر ذلك الحديث، وتلك الهمسات، يغيب عنهم شيء واحد، لو عقلوه لربما استراحوا، وهو أن الذي منحهم الثقة ذات مرة، ولم يقوموا بحقها، ولم يستطيعوا الارتقاء إلى تطلعاته، هو نفسه من انتزع الثقة منهم، وهو من يستطيع التقييم الفعلي لما يقوم به وزيره الأول، وأنه أكثر من يعرفهم، ويعرف حدود إنجازهم، وحدود تفكيرهم، وما فعلوه بالثقة حين منحت لهم. وهو نفسه من يعرف نفس الأشياء من وزيره الأول المختار ولد اجاي.
يعرفون كل ذلك، وربما تطوع آخرون، وذكروهم بما نسوا منه، لكن العقد تُعمي.. ومن تملكتهم عقدة ولد اجاي أعمتهم. ولله في خلقه شؤون.
